فخر الدين الرازي
128
تفسير الرازي
قالت قتيلة ماله * قد جللت شيباً شواته هذا قول أهل اللغة ، قال مقاتل : تنزع النار الهامة والأطراف فلا تترك لحماً ولا جلداً إلا أحرقته ، وقال سعيد بن جبير : العصب والعقب ولحم الساقين واليدين ، وقال ثابت البناني : لمكارم وجه بني آدم . واعلم أن النار إذا أفنت هذه الأعضاء ، فالله تعالى يعيدها مرة أخرى ، كما قال : * ( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب ) * . قوله تعالى : * ( تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعَى ) * . فيه مسألتان : المسألة الأولى : اختلفوا في أن لظى كيف تدعو الكافر ، فذكروا وجوهاً أحدها : أنها تدعوهم بلسان الحال كما قيل : سل الأرض من أشق أنهارك ، وغرس أشجارك ؟ فإن لم تجبك جؤاراً ، أجابتك اعتباراً فههنا لما كان مرجع كل واحد من الكفار إلى زاوية من زوايا جهنم ، كأن تلك المواضع تدعوهم وتحضرهم وثانيها : أن الله تعالى يخلق الكلام في جرم النار حتى تقول صريحاً : إلي يا كافر ، إلي يا منافق ، ثم تلتقطهم التقاط الحب وثالثها : المراد أن زبانية النار يدعون فأضيف ذلك الدعاء إلى النار بحذف المضاف ورابعها : تدعو تهلك من قول العرب دعاك الله أي أهلكك ، وقوله : * ( من أدبر وتولى ) * يعني من أدبر عن الطاعة وتولى عن الإيمان * ( وجمع ) * المال * ( فأوعى ) * أي جعله في وعاء وكنزه ، ولم يؤد الزكاة والحقوق الواجبة فيها فقوله : * ( أدبر وتولى ) * إشارة إلى الإعراض عن معرفة الله وطاعته ، وقوله : * ( وجمع فأوعى ) * إشارة إلى حب الدنيا ، فجمع إشارة إلى الحرص ، وأوعى إشارة إلى الأمل ، ولا شك أن مجامع آفات الدين ليست إلا هذه . قوله تعالى : * ( إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ) * . فيه مسائل : المسألة الأولى : قال بعضهم : المراد بالإنسان ههنا الكافر ، وقال آخرون : بل هو على عمومه ، بدليل أنه استثنى منه إلا المصلين . المسألة الثانية : يقال : هلع الرجل يهلع هلعاً وهلاعاً فهو هالع وهلوع ، وهو شدة الحرص وقلة الصبر ، يقال : جاع فهلع ، وقال الفراء : الهلوع الضجور ، وقال المبرد : الهلع الضجر ، يقال : نعوذ بالله من الهلع عند منازلة الأقران ، وعن أحمد بن يحيى ، قال لي محمد بن عبد الله بن طاهر : ما الهلع ؟ فقلت : قد فسره الله ، ولا تفسير أبين من تفسيره ، هو الذي إذا ناله شر أظهر شدة الجزع ، وإذا ناله خير بخل ومنعه الناس . المسألة الثالثة : قال القاضي قوله تعالى : * ( إن الإنسان خلق هلوعاً ) * نظير لقوله : * ( خلق الإنسان من عجل ) * وليس المراد أنه مخلوق على هذا الوصف ، والدليل عليه أن الله تعالى ذمه عليه والله تعالى لا يذم فعله ، ولأنه تعالى استثنى المؤمنين الذين جاهدوا أنفسهم في ترك هذه الخصلة